« 2006-12 | HomePage | 2007-02 »
01/16/2007
تعديل أم انحراف دستوري
استعصى على فهمي معنى "التعديلات الدستورية" التي من بها علينا الرئيس "حسنى مبارك"، وتساءلت: مامعنى كلمة "تعديل"؟ وعندما يعجز عقلي "الصعيدي" عن فهم المكتوب والمذاع، أذهب إلى معاجم اللغة لاستبيان المعنى المراد فهمه. وأرجو من أساتذتي الذين يشرفونني بقراءة ما أكتب، ألا يضيقوا ذرعا بتلميذ يضنيه البحث عن حقيقة معنى معروف لهم مجهول لديه. وأنا لا أخفى إعجابي بتعبير، لفت نظري إليه الكاتب الكبير محمد عبدالحكم دياب للمستشار زكريا عبدالعزيز رئيس نادي القضاة في وصفه للتعديلات الدستورية بأنها " توفيق أوضاع"، والتوفيق شيء حسن.
ومن متابعتي لمناقشات رجال "الحزن الوطني" للمزعومة "تعديلات" أدركت أن التعديل سيكون للأسوأ، وكيف التعديل للأسوأ؟ ودائما التعديل للأحسن. لا مناص من الذهاب إلى المعجم الوجيز للغة العربية لاستجلاء جهلي. ابتدأت بالبحث عن معنى "التوفيق" في الأوضاع، في المعجم في باب (وَفِقَ) ومنها (وافَقَ) فلان بين الشيئيين بمعنى جانس ولائم، و(وفق) بين القوم بمعنى أصلح، و (وفق) بين الأشياء المختلفة أي ضمها في تناسق، ووفق الله فلانا أي ألهمه الخير. المعنى العام لكلمة "التوفيق" يدل على الخير والإصلاح، لكن هناك معنى يفهم من خلال السياق والأحداث، وحيث أن تعبير "توفيق الأوضاع" جاء من قاض يعرف معنى الحرف ومستقر الكلم، يجيد تبسيط التعبير للقارئ، والنفاذ إلى عمق المعنى مع الحفاظ على بعديه الظاهري والباطني، وكذلك وضع كاتبنا الكبير، أدركت أن المعنى المقصود والمفهوم (وهذا استنتاجي) هو توافق المتضادات وضمها في شكل متناسق يتناسب مع طبيعة المرحلة الخطأ، واكتشفت إن التوافق ليس معناه التوافق على أو في الخير، وإنما يوجد توافق في وعلى الشر. وعن معنى "التعديل" في باب "عَدَلَ" ، وعدل (بتشديد الدال) الشيء أي أقامه وسواه وأعاده إلى الوضع الصواب.
أشعر بالتضليل في استخدام لفظ "التعديل"، وابحث عن آخر يلائم المطلوب، تتراقص أمامي كلمات الانحراف والتحريف والتشويه، وانحرف الشيء أي مال عن الاعتدال، وحرف الشيء بمعنى أماله، وحرف الكلام أي غيره وصرفه عن معانيه، وشوهه بمعنى قبحه، والمشوه من أصيب بعاهة غيرت خلقه، وترى التشوه واضحا في المادة 76 المشوهة (وليست المعدلة). وباستعراض الصفات الحقيقية لما يحدث في الدستور نجدها اقرب إلى صفات التشويه والتحريف والانحراف "الدستوري" لدستور 1971 الأعرج، وإن كان يروقني وصف "توفيق الأوضاع"، بمفرداته السلسة ومعناه القانوني العميق، إلا أن ما يعوقه هو تعريفه الاصطلاحي وصفته الحسنة في "توفيق أوضاع" المتعثرين والمنحرفين إلى الوضع القويم، لكن هناك مسميات تكتسب معانيها السيئة من طبيعة المرحلة السيئة، فالتوفيق لا يعني العودة للحق، والتعديل لا يعنى استقامة المعوج بل انحراف الشيء عن موضعه للأسوأ.
الدستور هو زى الدولة، ولا يجوز تفصيله على مقاس أفراد، قد لا يمكنهم القدر من ارتدائه، كما حدث في تفصيل المادة 77 لصالح "السادات" وارتداها "مبارك". وسيتورط نظامنا بإقرار التزوير في الدستور لإقصاء كتلة الإخوان المسلمين، ومن يشكو التزوير، سيفاجأ بحكم المحكمة الدستورية العليا بأنه تزوير دستوري. ما يحدث سيكون سببا في صرا عات دموية، وما يصنع الآن انحراف دستوري وليس تعديلا دستوريا.
الكرامة (المصرية) 16/1/2007
20:38 Permalink | Comments (0) | Email this

