05/02/2006
طريق العدالة فى شارع عبد الخالق ثروت
هذه ايام نهايات.
فضيحة تلو فضيحة..ومشاعر غامضة يختلط فيها الرعب من المجهول بالقلق والرغبة الجارفة فى الخلاص من اجواء تشبه رياح الخماسين ..الاقوى هى النظرة الحائرة الى غد لايمتلك احد القدرة على توقع تفاصيله ..فالمشاهد الاخيرة تقول اننا فى لحظات شبيهة باخرى فى التاريخ ..مثلا: مارس 1919..ويوليو 1952..ويونيو 1967..وسبتمبر 1981 ...تشبهها..لكنها اكثر فوضى...وقسوة من كل اللحظات التى مرت على تاريخ مصر.
لانها تاتى و نحن فى فراغ شبه كامل.بلا مشروع كبير ..ولا شخصيات كبيرة .
لحظة اتت رياحها الساخنة الجافة و روح مصر مخنوقة...تتنفس بصعوبة..قلبها يعمل باجهزة صناعية..ولسانها ثقيل..من لزوجة طويلة العمر ..وجسدها منهك بسلاسل طويلة متهالكة يعلوها طبقات سوداء متراكمة عبر تاريخ القهر و الكبت ممتد المفعول.
1
شاب مقبل على الاربعين يقف على ناصية شارع عبد الخالق ثروت..فجأة وجد نفسه فى سيارة "فان"مغلقة تسير بسرعة الى مكان غير معلوم.
طبعا شارع عبد الخالق ثروت هو ملعب الحرب التى خرجت اجهزة الامن عن بكرة ابيها لتعلنها ضد المعارضة الجديدة.
معارضة جديدةتتشكل حول مطالب قضاة مصر بالاستقلال عن سلطة الحاكم و الاجهزة التابعة له ( ليس هناك فى مصر ثلاث سلطات...لكنه الرئيس و طاقم حراسة و سكرتارية مساعدين..لامؤسسات و لاحكومة ..ولا سلطة تنفيذية)
القضاة يحلمون بقانون يفك الرباط غير المقدس بينهم وبين الحاكم...يريدون حرية لتحقيق العدل الغائب عن مصر منذ ربع قرن واكثر.
الشاب المخطوف من المعارضة الجديدة..وهى جديدة فعلا..تتكون اولا بعيدا عن كيانات الاحزب القديمة التى دخلت فى حظيرة السلطة..و تلتف حول القضاة ..امل مصر فى الخروج من النفق المظلم.
المعارضة الجديدة مازالت فى طور الولادة .. قليلة العدد لكن تاثيرها اكبر فهى تكسر حاجز الصمت المتواصل من 20 سنة (موعد اخر انتفاضة ضد الظلم فى معسكرات الامن المركزى )..ولهذا تبدو الصرخة عالية رغم صوتها المبحوح الغريب فى مدينة يسير اهلها وهم فى غيبوبة موت عميق .
المخطوف..مهندس ناجح اسمه وائل خليل ..وهو ابن الممثلة المعروفة محسنة توفيق ..والتقطه جهاز امن سرى من الشارع فى عز الظهر .
وهو ليس وحده.
عشرات المعارضين تم اختطافهم بنفس الطريقة التى تشبه اساليب الديكتاتوريات الحاكمة فى جمهوريات الموز (بامريكا اللاتينية).
" نعم نحن قادمون على ..امريكا لاتينية..اخرى"
قالت استاذة الجامعة ..الغاضبةونحن نتذكرالاجواء الخانقة فى روايات ماركيز وبقية ادباء كتبوا اهوال الجمهوريات المرعبة ..كنا فى الشارع على بعد خطوات من الموقع الذى اختطف فيه جورج اسحاق من امام نادى القضاة و دفعته عناصر ترتدى الملابس المدنية الى سيارة ترحيلات...ولم ينقذ منسق حركة "كفاية" الا المستشار محمود مكى و القضاة ..الذين انتزعوه من بين الايدى المدربة على الخطف و الاعتقال.
فكرة خطف المعارضة من الشارع فى عز الظهر ..كانت تهدف اساسا الى قطع خطوط التواصل بينهم و بين القضاة المعتصمين ..وهى خطوط ترسم ملامح حركة تغيير مصر بشكل يربك اجهزة الامن الغارقة حتى شواربها فى الاساليب القديمة.
تتصرف باستفزاز..وعصبية ظاهرة...حتى ان عساكر الامن المركزى داسوا على علم مصر و هم يطاردون شباب "كفاية"..وارتبكوا حينما رفعت الايادى الى السماء..وارتفعت الادعية عليهم من الجموع الغاضبة..اهتزت حشود الامن بملابسها السوداء..اهتزوا ايضا مع الاغانى (قال ضابط كبير من قادة الحرب فى الشارع لوجه معروف فى حركة كفاية:..اريد ان اقول لك شيئا واحدا..اننا نتأثر بهذه الاغانى مثلكم ..ونحب مصر مثلكم ..لكننا عبد المأمور..)
وربما يتمرد عبد المأمور بعد قليل على ضرب اهل بلده و شباابها الغاضب من استمرار اوضاع لايخفى فسادها على عين حتى عين الامن نفسه.لكنهم ينفذون تعليمات نظام يدير ازماته الان بشكل عشوائى..ويدفع الامن لمواجهة كل المجتمع فى حرب خاسرة مقدما.
2
لم يكن تحريك مشاعر رجال الامن صعبا.
المستشار مكى وجه ضربة موجعة للواء اسماعيل الشاعر مدير امن القاهرة حين قال له :"..مش حرام عليك ..الولاد الى كسرتوا عظمهم..دول مش فى سن ابنك المرحوم عمرو الى اناحملت جثته بعد الحادث المؤلم ...؟"
القريبين من اللواء الشاعر قالوا ان الدموع لمعت فى عينه .
كما لمعت فى اعين عسكرى المن المركزى الذى رفض امر الضرب لانه سمع متظاهرة تقول :"..انتم منا و احنا منكم..".
المشاعر تحركت لمنها لم تغلب غريزة الدفاع عن السلطة...لكن المعارضة الجديدة وضعت الامن فى تناقض بين المشاعر و الخدمة ..وهى لعبة خطرة تفسر سر القسوة التى يتعامل بها الضباط فهم يضربون ضد مصالحهم وربما مشاعرهم..ويعملون فى مواجهة مواقف قد يرون انها صحيحة.
لكنه النظام...وخدمته .
وتصور ان الرئيس هو مصر...وان المعارضة تستحق الفرم.
احتلت اجهزة الامن شارع عبد الخالق ثروت..واعلنت الاحكام العرفية..وحظرت التجول... خطتها قامت على تكوين اسوار عازلة من عساكر الامن المركزى بين نادى القضاة و كل من نقابة المحامين و نقابة الصحفيين...قبلهم عزلت شباب حركة " كفاية " المتجمعين تحت علم مصر ولافتة " هذه منطقة محررة "...بدا يوم الاربعاء ان التعليمات هى اعلان القوة ..وكسر الذراع التى تحرك الهتافات و الاغانى الهادرة و الساخرة من شخصيات " كبيرة ".
عمليات الخطف بدات من تحت علم مصر مباشرة..من هناك التقطت الوحوش المدنية المدربة ..وضربت بلا رحمة شباب و بنات..دفعتهم سنوات القهر الى المعارضة بحماس و اندفاع مجنون.
الاصوات الصاخبة..خرجت قنبلة غضب من بركان خامد...وصرخات الالم و الرعب..زلزلت مثلث الحرية فى وسط القاهرة.
كنا ساعتها فى نادى القضاة ضمن وفد الصحفيين للتضامن مع اعتصام القضاة..وصلتنا صرخات الاستغاثة " الصحافة فين ..الارهاب اهو ..".
هنا تحول شارع عبد الخالق ثروت الى ساحة ابادة حقيقية للمعارضة...تسمع الصرخات والاهات ..وفى الضوء المنسحب من النهار ..نحن كنا امام فضيحة كاملة الاوصاف.
3
من هو الكبير الذين يهتفون ضده..؟!
تساءل المحلل السياسى بنبرة ساخرة.
واكمل صحفى اصغر فى العمر:"..مصر مافيهاش كبير ..".
الهتافات تحولت احيانا الى شتائم ردا على الضرب العنيف..والتقطت الاجهزة الشتيمة و حولتها الى تهمة الاساءة الى رئيس الجمهورية..لتكون من بين عشرات التهم الموجهة الى المعتقلين بعد موقعة القضاة الاولى (وهم يمثلون اجيال مختلفة من كمال خليل و امير سالم مرورا بابراهيم الصحارى و حتى محمد الشرقاوى..منتخب اجيال و حساسيات فى المعارضة) .
خطة الامن ليست محاكمة ال46 متهم ..ولكن شل الجهاز العصبى للمعارضة الجديدة ..واثارة الرعب و الهلع فى قلوب المعارضين الذين تحركوا بحرية نسبية فى السنة الاخيرة.
جهاز اطلاق الشائعات عمل بقوة..سمعنا ان نادى قضاة الاسكندرية اقتحم بالقوة..وسمعنا اسماء كبيرة اعتقلت..وتهديدات بمنع القضاة من الوصول الى شارع عبد الخالق ثروت..واخيرا ...القت الشائعات بسيناريو اقتحام نادى القاهرة كورقة رعب اخيرة ..تشير الى ان النظام مستعد لتجاوز كل الخطوط الحمراء فى ابادة المعارضة..ومنع التفاف طبعتها الجديدة حول القضاة.
القضاة كانوا ينتقلون من مرحلة " الحرب الداخلية بين القضاة " الى مرحلة جديدة يخرج فيها الوعى من المحاكم الى الشارع المشتاق الى العدل.
الناس فى مصر تحب العدل ربما اكثر من الديمقراطية.
وهذا هو سر الالتفاف حول مطالب القضاة باعتبارها احلام مجتمع فى الانتقال من دولة الشخص الواحد..التى يتحقق فيها العدل بمنحة رومانسية من الرئيس..الى دولة اساسها العدل.
هذه مرحلة فاصلة فى المعارضة الجديدة.
القضاة و هم رموز العدل و الحق..يتصدرون المجتمع فى رحلة التغيير ...صورهم فى قلب المعركة ضد نظام يتشبث بالمقاعد المستقرة حتى النفس الاخير.
يتآكل جسد النظام..ويذوب لحمه ..ولا يبق منه غير انيابه الشرسة..او اجهزة الامن .
النظام الآن تلخص فى جهاز بوليس...يحمى الرئيس فقط..وهذا ما يقوله سرا ضباط كبار فى امن الدولة ..خلال جلسات سرية يردون فيها على اتهامات بالتقصير فى حماية سيناء من هجمات الجماعات الارهابية..بينما يتوحش جهاز الامن هنا فى العاصمة ..لحماية سكان قصور الحكم.
النظام لم يعد لديه عقل يدير ملفاته الخطرة..لديه فقط اداة بطش و حماية هى اجهزة الامن التى تغير اسلوبها حسب الاوامر ..مرة ارتكوا المتظاهرين..ومرة اخترقوا المظاهرات و اخيرا حاصروهم فى كماشة و عودوا الى اسلوب الترويع لكل صوت خارج عن كورس مداحين الرئيس.
4
هناك الان محاولة لامتصاص ازمة تحويل المستشار هشام بسطويسى و المستشار محمود مكى الى " مجلس صلاحية" ومحكمة تاديب.
وزير العدل يتحمل مسئولية تفجير الازمة كما ترى اطراف كثيرة بعضها من اجنحة فى النظام...وهذا سر اشاعة ازاحته من الوزارة...لكنه مثل جهاز الامن اداة فى يد نظام لايحتمل الخروج عن الطاعة...ولايفهم معنى استمرار دولة محكومة بقانون الرعاية الشاملة المواطنين فيها رعايا ينتظرون منح و هبات الحاكم نصف الاله.
دولة بلا مؤسسات.
الرئيس فيها هو الدولة...وليس مجرد موظف فى خدمة المجتمع.
النظام لايحتمل فكرة الانتقال الى دولة مؤسسات حقيقية..ويحرك الان كل ادوات البطش فى حرب اخيرة من اجل البقاء.
النظام يمكن اختصاره الان فى جهاز بوليس.
بينما تتكون معارضة النظام وتلتف حول القضاة.
وهذا هو عمق الحرب الدائرة الان فى شارع عبد الخالق ثروت.
5
خرج المستشار محمود مكى من دار القضاء العالى..وهو يرفع يده بعلامة النصر.
المستشار هشام بسطويسى لمسته الروح المتمردة لاجيال مختلفة تركت كل شىء لتعلن انهم مع القضاة.
المستشار محمود الخضيرى ورغم الكلام حول ميوله الاخوانية كان سعيدا بحضور يوسف شاهين المخرج المشاكس الخارج على موديل الحركات الدينية.
هذه اشارات الى روح جديدة شارك القضاة فى هندسة ملامحها الاولى..لكنها تلمسهم ايضا..وتدفعهم ليكونوا رمز مرحلة يصبح فيها اهل القانون و العدالة هم امل مصر فى التغيير.
وهى عودة لموديل ثورة 1919..حين كان المحامون و القضاة هم وكلاء امة تطالب بحقها فى الاستقلال.
بعدهم تصدر الجنرالات الصورة.
والان يعود القضاة..ليتصدروا مشروع عقد اجتماعى جديد فى دولة قانون يحمى دستورها القضاة .
هذا موديل جديد لم يكن فى حساب سيناريوهات التغيير التقليدية.مشروع يولد فى الشارع بهدوء ..لكنه بقوة وعى تلاقت فيه الاشواق الى العدالة مع الرغبة فى الديمقراطية..وانهاء احتكار السلطة و تقديس الحاكم .
لكن فكرة العدالة هى القوة المحركة ..الان..عندما علمت امراة عابرة منطقة الحروب امام دار القضاء العالى ..بأن القضاة يحاكمون ...سألت بتلقائية :"..امال مين اللى ها يحاكم الحكومة .." ؟!
الناس تسال و تكمل طريق حياتها.
يتوقف تعاطفها و تاييدها عند حدود الفرجة الخفيفة.
مع القضاة اصبحت الفرجة اكثر حيوية.
الجمهور تخلص من الحياد و اعلن الانحياز .
لكنه لم ينزل الملعب.
اكتفى بتشجيع فريق الحلم باستقلال العدالة.
6
العدل غائب.
واستقلال القضاء هو الطريق الى مصر "جديدة" يضمن فيها الشخص العادى محاكمة عادلة بلا كارت توصية ولاخوف من مراكز قوى و نفوذ .
هذا هو سر تحول القضاة من ازمة مهنية الى حلم سياسى ..مسيرة القضاة بعد انتهاء جلسة المحاكمة الاولى للمستشار مكى و المستشار بسطويسى..ستدخل التاريخ ..وتعيد الى الاذهان صور مقاومة سلطة نائمة تاكل ارز مع الملائكة فى برج عظمتها.ونظام خالى من الكفاءة وخارج الخدمة و صلاحيته انتهت...ورغم كل هذا يموت على الاستمرار ..ويحطم اى شىء يقف فى وجه رغبته المدمرة.
لخص الدكتور محمد السعيد الصورة حينما قال فى نادى القضاة:"اننا فى بيت الامة .."...وهو كان يصف منظر شرائح من نخبة مصر الهاربة من محرقة النظام تتوافد على مقر نادى القضاة ..وفود من تيارات وافكار ومواقف مختلفة..تتجمع حول امل انتصار القضاة ضد الطغاة.
هل سينتصر القضاة؟!
وهل سينتهى الوضع بتراجع وزير العدل عن تقديم المستشار بسطويسى و المستشار مكى الى محكمة التاديب..؟!
تبدو الازمة فى طريقها للحل ..بعد ان ترك القاضى صاحب الشكوى ضد القضاة الذين اتهموه بالمشاركة فى التزوير.
صاحب الشكوى و كما قيل قبل ايام ترك التنازل عن الشكوى تحت تصرف وزير العدل..والوزير يبحث عن سيناريو لانهاء الازمة خاصة بعد ظهور المستشار عدلى حسين محافظ القليوبية كوسيط بين النظام و القضاة و تخوف الوزير من الوصول الى حل بعيدا عنه.
خفت حدة طلبات الوزير و المجلس الاعلى للقضاء بعد هوجة المعارضة لتأييد مجموعة نادى القضاة...هوجة فى الداخل (كل اطياف المعارضة الجديدة ..وحتى القديمة) و الخارج ( بيانات من كل انحاء العالم..ومنظمات من العفو و حتى مقرر الامم المتحدة لاستقلال القضاء..).
العنف ضد قضاة الاستقلال فجر طاقة غضب و تمرد و لم يمنع كشف فضيحة الانتخابات و سحب شرعية الحكم بالتزوير ...بل ان مع اتساع الحركة الى افق الحلم السياسى..اتخذ الفرز شكلا اعنف..فجمعية قضاة مجلس الدولة سحبت الثقة من مجلسها و سارت مع تيار الاستقلال..واعلن 1000 من بين 1500 اعضاء الجمعية العمومية اعتصامهم للتضتامن مع مكى و بسطويسى.
وسيكتمل مثلث الحرية فى عبد الخالق ثروت ( رئيس الحكومة الذى اشرف على انتخابات نزيهة لم ينجح هو فيها).
سيتحرك الصحفيون دفاعا عن قانون صحافة يحمى حريتهم ..ولايكون هراوة كهربائية تشل الايدى و تعمى البصر.
وسيتحرك المحامون ضد قانون الطوارىء و يعلنون قائمة سوداء تفضح رابطة مشجعى استمرار حالة الطوارىء .
هذه اذن بداية حرب مختلفة.حرب تحرير مصر من انظمة استبداد بائدة...واكتشاف طريق العدالة الغائبة فى صحراء سياسية جرداء نتوه فيها من 25 سنة.
بدايةاعلان مصر " جديدة "
الفجر
19:42 Permalink | Comments (0) | Email this


Trackbacks
إعلان التعبئة العامة
تتعهد كتائب الشهيد مالك مصطفي بنتف عشر شعرات في مقابل كل شعرة سقطت من رأس التنين وذلك من حاجب كلا من:- محمد حسني مبارك "رئيس الجمهورية " احمد نظيف"رئيس الوزراء" حبيب العدلي "وزير الداخلية " اللواء أسماعيل الشاعر " مدير امن القاهرة" اللواء سعد ...
Trackback by: 30 February | 05/16/2006
The comments are closed.